مركز الثقافة والمعارف القرآنية

686

علوم القرآن عند المفسرين

والجواب : إن في جعل هذا الحكم ثم نسخه - كما فعله اللّه سبحانه - تنبيها للأمة ، وإتماما للحجة عليهم . فقد ظهر لهم ولغيرهم بذلك أن الصحابة كلهم آثروا المال على مناجاة الرسول الأكرم ، ولم يعمل بالحكم غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام . وترك المناجاة وإن لم يكن معصية للّه سبحانه ، لأن المناجاة بنفسها لم تكن واجبة ، ووجوب الصدقة كان مشروطا بالنجوى ، فإذا لم تحصل النجوى فلا وجوب للصدقة ولا معصية في ترك المناجاة ، إلا أنه يدل على أن من ترك المناجاة يهتم بالمال أكثر من اهتمامه بها . حكمة تشريع صدقة النجوى : وفي نسخ هذا الحكم بعد وضعه ظهرت حكمة التشريع ، وانكشفت منّة اللّه على عباده ، وبان عدم اهتمام المسلمين بمناجاة النبي الأكرم ، وعرف مقام أمير المؤمنين علي عليه السّلام من بينهم . وهذا الذي ذكرناه يقتضيه ظاهر الكتاب ، وتدل عليه أكثر الروايات . وأما إذا كان الأمر بتقديم الصدقة بين يدي النجوى أمرا صوريا امتحانيا - كأمر إبراهيم بذبح ولده - فالآية الثانية لا تكون ناسخة للآية الأولى نسخا اصطلاحيا ، بل يصدق على رفع ذلك الحكم الامتحاني : النسخ بالمعنى اللغوي . ونقل الرازي عن أبي مسلم : أنه جزم بكون الأمر امتحانيا ، لتمييز من آمن ايمانا حقيقيا عمن بقي على نفاقه فلا نسخ . وقال الرازي ، « وهذا الكلام حسن ما به بأس » « 1 » . وقال الشيخ شرف الدين : إن محمد بن العباس ذكر في تفسيره سبعين حديثا من طريق الخاصة والعامة تتضمن ان المناجي للرسول هو أمير المؤمنين عليه السّلام دون الناس أجمعين . . . ونقلت من مؤلف شيخنا أبي جعفر الطوسي هذا الحديث ، ذكره أنه في جامع الترمذي ، وتفسير الثعلبي باسناده عن علقمة الأنماري يرفعه إلى علي عليه السّلام أنه قال : « بي خفف اللّه عن هذه الأمة لأن اللّه امتحن الصحابة ، فتقاعسوا عن مناجاة الرسول ، وكان قد احتجب في منزله من مناجاة كل أحد إلا من تصدق بصدقة ، وكان معي دينار ، فتصدقت به ، فكنت أنا سبب التوبة من اللّه على المسلمين حين عملت بالآية ، ولو لم

--> ( 1 ) تفسير الرازي ج 8 ص 167 طبع المطبعة العامرة .